التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

قصة الباب السابع

 مثل السمكات الثلاث قال دمنة: زعموا أن غديراً كان فيه ثلاث سمكات عظام، وكان ذلك الغدير بفجوة من الأرض لا يقربها أحد. فلما كان ذات يوم اجتاز من هناك صيادان فأبصرا الغدير فتواعدا أن يرجعا بشبكتهما فيصيدا تلك السمكات الثلاث التي فيه. فسمعت السمكات قولهما. وإن سمكة منهن كانت أعقلهن ارتابت وتخوّفت وحاولت الأخذ بالحزم فخرجت من مدخل الماء الذي كان يخرج من الغدير إلى النهر فتحوّلت إلى مكان غيره. وأما الثانية التي كانت دونها في العقل فإنها تأخرت في معالجة الحزم حتى جاء الصيادان فقالت: قد فرّطت وهذه عاقبة التفريط. فرأتهما وعرفت ما يريدان فوجدتهما قد سدّا ذلك المخرج فقالت: قد فرّطت فكيف الحيلة على هذا الحال للخلاص، وقلما تنجح حيلة العجلة والإرهاق. ولكن لا نقنط على حال ولا ندع ألوان الطلب. ثم إنها، للحيلة، تماوتت فطفت على الماء منقلبة على ظهرها فأخذها الصيادان يحسبان أنها ميتة فوضعاها على شفير النهر الذي يصب في الغدير فوثبت في النهر فنجت من الصيادين. وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت. وأنا أرى أيها الملك معالجة الحزم في الحيلة كأنك تراه رأي العين فتحسم الداء قبل أن تُبتلى به وتدفع ...

قصة الباب السادس

 مثل الرجل الهارب من الموت كالذي قيل إن رجلاً سلك مفازة فيها خوف من السباع وكان الرجل خبيراً بوعث تلك الأرج وخوفها. فلما سار غير بعيد اعترض له ذئب من أحد الذئاب وأضراها. فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه اشتد وجعله ونظر يميناً وشمالاً ليجد موضعاً يتحرّز فيه من الذئب فعاين قرية على شاطئ نهر خلف واد فقصدها. فلما انتهى إلى النهر لم يجد عليه قنطرة ليقطعه والذئب كان يدركه فقال: كيف أمتنع من الذئب والنهر عميق وأنا لا أحسن السباحة على أني ألقي نفسي في الماء. فلما نزل في النهر كاد يغرق فرآه قوم من أهل القرية فأرسلوا إليه من استخرجه وقد أشرف على الهلكة فنجا من الذئب ومن الغرق. ثم رأى على شاطئ الوادي بيتاً منفرداً فقال أدخل هذا البيت فأستريح فيه. فلما دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجل من التجار وهم يقتسمون ماله ويريدون قتله. فخاف الرجل على نفسه ومضى نحو القرية فأسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح مما حل به من الهول والإعياء، فسقط الحائط عليه فقتله. قال التاجر: صدقت وقد بلغني هذا الحديث. ثم إن الثور المدعو شتربة انبعث من مكانه فلم يزل يدب حتى انتهى إلى مرج مخصب كثير الماء وال...

قصة الباب الخامس

 مثل الرجل والتنين فالتمست للإنسان في ذلك مثلاً فإذا مثله مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصن بأعلى شفيرها فوقعت رجلاه على عمدها فنظر فإذا هي حيات أربع قد أطلعن رؤوسهن من أحجاهن. ونظر إلى أسفل البئر فإذا هو بتنين فاغر فاه نحوه. ورفع رأسه إلى الغصن فإذا هي أصله جرذان أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران. فبينما هو في النظر والاجتهاد لنفسه وابتغاء الحيلة في ذلك، إذ نظر فإذا قريب منه نحلٌ قد صنعن شيئاً من العسل فأراد أن يأكل منه قليلا فشغل قلبه عن التفكر في أمره والتماس حيلة ينجي بها نفسه فنسي أن يذكر الجرذين الدائبين في قطع الغصن، وأنها إذا قطعاه وقع ف فِي التنين، فلم يزل لاهياً غافلاً حتى هلك. فشبهت البئر بالدنيا المملوءة إفكاً وبلايا وشرورا ومخاوف. وشبهت الحيات الأربع بالأخلاط الأربعة التي هي في بدن الإنسان. فمتى ما هاج منها شيء كان كحمة الأفعى والسم المميت. وشبهت الجرذين بالليل والنهار. وشبهت قرضهما للغصن دائبين دور الليل والنهار في إفناء الأجل الذي هو حصن الحياة. وشبهت التنين بالموت الذي لا بد منه. وشبهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يرى الإنسان ويشم ويطعم ويسمع...

قصة الباب الرابع

 مثل المصدّق المخدوع زعموا أنه ذهب سارق حتى علا بيت رجل من الأغنياء ليلاً ومعه أصحابٌ له فاستيقظ صاحب البيت فأحسّ بهم، وعرف أنهم لم يعلوا ظهر البيوت تلك الساعة إلا لريب، فنبّه امرأته وقال لها رويداً، إني لأحسّ باللصوص قد علوا ظهر بيتنا فإني متناومٌ، فأيقظيني بصوت يسمعه مَن فوق البيت ثم نادي: يا صاحب البيت ألا تخبرني عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك من أين جمعتها. فإذا أبيت عليك فألحّي في السؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها واستمع اللصوص حديثهما فقال الرجل: يا أيتها المرأة قد ساقك القدر إلى رزق كثير فكلي واسكتي ولا تسألي عما لو أخبرتك به لم آمن أن يسمعه سامع فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. قالت المرأة: أخبرني أيها الرجل فلعمري ما يقربنا أحد يسمع كلامنا. قال: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال وهذه الكنوز إلا من السرقة. قالت: وكيف جمعت هذه الأموال وهذه الكنوز من السرقة وأنت في أعين الناس عدل رضاً لا يتهمك أحد ولم يرتب بك. قال: ذلك لعلم أصبته في علم السرقة فكان الأمر أوفق وأيسر من أن يتهمني أحد ويرتاب بي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة ومعي أصحابي حتى أعلوا ظهر البيت ...

قصة الباب الثالث

 مثل اللص المخدوع قال: زعموا أنه كان تاجر في منزله خابيتان، إحداهما مملوءة حنطة والأخرى مملوءة ذهبا. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان في بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل في بعض أشغاله فتغفله اللص ودخل المنزل وكمن في بعض نواحيه. فما همّ بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة فاحتملها. ولم يزل في كد وتعب حتى أتى منزله. فلما فتحها وعلم ما فيها ندم. فقال له الخائن: ما بعّدت المثل ولا تجاوزت القياس وقد اعترفت بذنبي، غير أن النفس الردئية تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به، وندم هو عندما عاين سوء فعله وتقدم جهله. وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا أن لا يجعل غايته التصفح لتزاويقه، بل ليشرف على ما تضمن من الأمثال حتى يأتي على آخره ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويته. مثل الشريك المحتال يقال أنه كان رجل تاجر وله شريك فاستأجرا حانوتاً وجعلا فيه متاعهما، وكان أحدهما قريب المنزل إلى الحنانوت فأضمر في نفسه أن يسرق عِدلا من أعدال رفيقه. وفكّر في الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلاً لا آمن أن أحمل عدلا من أعدالي أو رزمة من متاعي ولا أعرفها فيذهب عنائي و...

الباب الثاني

 مثل المكتشف الكنز : ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب من غير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقاً أن لا يصيبه إلا كما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهرت له آثار كنوز، فجعل يحفز ويطلب فوقع على شيء كثير من عين وورق، فقال في نفسه: إن أخذت في نقل هذا المال كان إخراجي له قد قطعني الاشتغال بنقله عن اللذة بما أصيب منه، ولكن استأجر قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي شيئاً أشغل فكري بنقله، وأكون قد استظهرت في إراحة بدني عن الكد بيسير أجرة أعطيها لهم. ثم جاء بالحمالين فجعل يسلّم إلى كل واحد منهم ما يقدر على حمله ويقول له: اذهب به إلى منزلي. فينطلق به الحمّال إلى منزل نفسه فيغدر به، حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق إلى منزله فلم ير فيه من المال شيئاً ووجد كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه، ولم يكن له من ذلك العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره. مثل الجوز الصحيح والصحيفة الصفراء : وكذلك من يقرأ هذا الكتاب ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطّه ونقشه، كما لو قدّموا ل...

الباب الاول

 قال بزرجمهر في ذلك: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق خلقه أطواراً برحمته ومنّ على عباده بفضله ورزقهم ما يقدرون به على إصلاح معايشهم في الدنيا وما يدركون به استنقاذ أرواحهم من أليم العذاب. فأفضل ما رزقهم ومنّ عليهم به العقل الذي هو قوةٌ لجميع الأحياء. فما يقدر أحد منهم على إصلاح معيشةٍ ولا إحراز منفعة ولا دفع ضر إلا به وكذلك طالب الآخرة المجتهد على استنقاذ روحه من الهلكة. فالعقل هو سبب كل خير ومفتاح كل رغبة وليس لأحد غنىً عنه. وهو مكتسب بالتجارب والآداب وغريزة مكنونة في الإنسان كامنة ككمون النار في الحجر والعود لا تُرى حتى يقدحها قادح من غيرها. فإذا قدحها ظهرت بضوئها وحريقها. كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتقويه التجارب، فإذا استحكم كان هو السابق إلى الخير والدافع لكل ضر. فلا شيء أفضل من العقل والأدب. فمن منّ عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه بالمثابرة على أدب والحرص عليه سعد جده وأدرك أمله في الدنيا والآخرة. وقد رزق الله ملكنا هذا السعيد الجد أنو شروان من العقل أفضل الرزق ومن النصيب أجزله وأعانه على ما رزق من ذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم وطلب التفسير لجمي...