التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الباب الثاني

 مثل المكتشف الكنز :


ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب من غير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقاً أن لا يصيبه إلا كما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهرت له آثار كنوز، فجعل يحفز ويطلب فوقع على شيء كثير من عين وورق، فقال في نفسه: إن أخذت في نقل هذا المال كان إخراجي له قد قطعني الاشتغال بنقله عن اللذة بما أصيب منه، ولكن استأجر قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي شيئاً أشغل فكري بنقله، وأكون قد استظهرت في إراحة بدني عن الكد بيسير أجرة أعطيها لهم. ثم جاء بالحمالين فجعل يسلّم إلى كل واحد منهم ما يقدر على حمله ويقول له: اذهب به إلى منزلي. فينطلق به الحمّال إلى منزل نفسه فيغدر به، حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق إلى منزله فلم ير فيه من المال شيئاً ووجد كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه، ولم يكن له من ذلك العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره.


مثل الجوز الصحيح والصحيفة الصفراء :


وكذلك من يقرأ هذا الكتاب ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطّه ونقشه، كما لو قدّموا لرجل جوزاّ صحيحاً لم ينتفع به إلا أن يكسره وينتفع بما فيه. وكان كالرجل الذي طلب علم الفصيح فرسم له بعض أصدقائه صحيفة صفراء فيها فيصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه، فانصرف المتعلم إلى منزله وجعل يكثر قراءتها فلا يقف على معانيها ولا يعرف ما فيها. ثم أنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب والفطنة وهو يظن أنه قد اكتفى بما فازه من تلك الصحيفة فأخذ في محاورتهم، فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال به عضهم: إنك قد أخطأت فيها والوجه غير ما تكلمت به. فقال: كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي. فكانت مقالته أوجب الحجة عليه وزاده ذلك توهاً من الجهل وبعداً من الأدب.


مثل الرجل الصابر على اللص :


ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وتفقهه وبلغ نهايته وعلم ما فيه، ينبغي له أن يعمل بما علمه منه لينتفع به ويجعله مثالاً لا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك كان مثله مثل الرجل الذي يقال إن سارقاً تسوّر عليه وهو نائم في منزله فعلم به فقال: والله لأسكتنّ حتى أنظر ما يصنع ولا أذعره ولا أعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغّصت ذلك عليه. ثم أمسك عنه وجعل السارق يطوف، فطال تردده على الرجل في جمع ما يجده فغلبه النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد فأمكنه الذهاب. ثم استيقظ الرجل فوجد اللص قد فاز بما أخذ من المتاع فأقبل على نفسه باللوم حين عرف بأنه لم ينتفع بعلم موضع اللص إذ لم يستعمل في أمره ما يجب.


ويقال أن العلم لا يتم إلا بالعمل، وإن العلم كالشجرة، والعمل فيها كالثمرة، فليلزم صاحب العلم القيام بالعمل لينتفع به، وإن لم يستعمل ما يعلم فلا يسمّى عالماً. ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به يسمى جاهلاً. ولعله يكون قد حاسب نفسه فوجدها قد ركبت أهواءً وهجمت به فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها به من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي عرفه. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جرّبه أو علّمه غيره، كان كالمريض العلام برديء الطعام والشراب وجيّده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على رديئه وترك استعمال ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته.


مثل البصير والأعمى :


وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الفعال وارتكاب مذمومه من أبصره وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض. كما أنه لو كان رجلان أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا جميعاً في قعرها بمنزلة واحدة في الهلكة. غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير، إذ كانت له عينان يبصر بهما. وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.


وعلى العالم أن يبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، فيكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به.


فقد ينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه. ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه، فإن خلالاً ينبغي لصالح الدنيا أن يقتبسها، منا اتخاذ المعروف وأن لا يعيب أحداً بشيء هو فيه، فيكون كالأعمى الذي يعبر الأعمى بعماه. وينبغي لمن طلب أمراً أن يكون له فيه غاية يعمل بها ويقف عندها ولا يتمادى في الطلب. فإنه يقال من سار إلى غير غاية فيوشك أن تنقطع به مطيّته، وأنه كان حقيقاً أن لا يعنّي نفسه على طلب ما لا حدّ له وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ولا يكون لدنياه مؤثراً على آخرته فإنه من لا يعلق قلبه بالعنايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحد، وهما النسك والمال، وفي أمرين إنهما لا يجملان بكل أحد: الملك أن يشارك في ملكه والرجل أن يشارك في زوجته. فالخلتان الأوليان مثلهما مثل النار التي تحرق كل حطب يقذف فيها. والخلّتان الأخريان كالماء والنار اللذين لا يمكن اجتماعهما.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة يوسف عليه السلام

  يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ     هو أحد الأنبياء الذين ورد ذكرهم في   القرآن ، وهو الابن الحادي عشر للنبي   يعقوب . صدِّيقٌ نبيٌّ من أنبياء   بني إسرائيل   وشخصية دينية مقدسة في   اليهودية   والمسيحية   والإسلام . وسميت السورة الثانية عشر في القرآن باسمه ( سورة يوسف ). يوسف تخطيط لاسم  يُوسف  مسبوق  بالسَّلامِ عليه . عبد الله، صديق، نبي، رسول، ابن  يعقوب ، الكريم بن  الكريم  بن  الكريم  بن  الكريم الولادة غير معروف بِلادُ كَنْعان الوفاة غير معروف بِلادُ مِصر مبجل(ة) في الإسلام ،  المسيحية ،  اليهودية النسب يُوسُفُ بنُ  يَعْقُوبَ  بنِ  إسْحاقَ  بنِ  إبْراهِيمَ  (حسب  القُرآن ). يُعتبر يوسف بن يعقوب من أكثر الشخصيات المشهورة في القرآن  والتوراة ، اشتهر بالمقدرة على  تأويل الأحلام ، وكان شديد الجمال، فقد ورد في  صحيح مسلم  أن يوسف أوتي شطر الحُسن. [ 1 ]  وهو من عائلة شرفها الله بالنبوة لذا وصفه  النبي محمد  ب...

قصة ابراهيم عليه السلام

  قد أثبت الله نبوته ورسالته في مواطن عديدة من الكتاب العزيز، وشهد له بأنه  كان أمة قانتاً لله حنيفاً. قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً  قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا  لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *  وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ  الصَّالِحِينَ} [النحل: 120 - 122].    نسب إبراهيم: ذكر المؤرخون نسبه واصلاً إلى سام بن نوح عليه السلام، ونوح - في سلسلة نسب  إبراهيم- هو الأب الثاني عشر. وقد أسقط بعض النسابين من آبائه في سلسلة  النسب (قينان)، بسبب أنه كان ساحراً. فهو على ما يذكرون: إبراهيم  "أبرام" (عليه السلام) بن تارح "وهو آزر كما ورد في القرآن الكريم" بن  ناحور بن ساروغ "سروج" بن رعو بن فالغ "فالج" بن عابر بن شالح بن قينان -  الذي يسقطونه من النسب لأنه كان ساحراً - بن أرفكشاذ "أرفخشذ" بن سام بن  نوح (عليه السلام). والله أعلم.    حياة إبراهيم عليه السلام في فقرات: 1- موجز حياته عند أ...

قصص وعبر عن الفزيائي

  من الحكم التى يرددها العامة من حين لاخر هو انه من الذكاء احيانا ان تكون غبيا وتطبق فمك فان كثرة الكلام توقع صاحبها في المهالك وقصتنا اليوم عن ثلاثة اشخاص حكم عليهم بالاعدام ظلما وهم : محامى - رجل دين - عالم فزيائي .وعندما حان الوقت لإعدام ثلاثتهم بداؤ برجل الدين وسالوه ان كان يريد ان يقول كلمة قبل ان يودع الدنيا قال يعلم الله انى برئ وانى اثق في عدالته ولما همو بقطع رقبته بالمقصلة فاذا بالمقصلة تقف قبل ان تنزل على راس رجل الدين - فارجعوه للوارء وقالو لقد قال الله كلمته لن تعدم وجاء دور المحامى فقالو له قل كلمة اخيرة قبل ان تموت فقال انا لا اعرف الله حق معرفتة كما رجل الدين ولكنى اثق في العدالة وهمو بقطع رقبتة ولكن ايضا وقفت المقصلة قبل ان تنزل على رقبتة وابت قطعها فقالو لقد قال الله كلمتة في المحامى وحينما جاء دور الفيزيائي قالو له ان اردت ان تقول كلمة اخيرة فلتقلها قال لهم انا لا اعرف الله مثل رجل الدين ولا اعرف العدالة مثل المحامى ولكنى اعرف ان هناك عقدة في المفصلة هى ما تمنعها من النزول وعندما فحصو المقصلة وجدو انه بالفعل توجد عقدة هى ما تمنه المقصلة من ان تقوم بعملها فحلو الع...