التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة داوود عليه السلام

 دخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة (فلسطين) واستقروا بها، وكان ذلك على يد يوشع بن نون، وصاروا يعبدون الله على المنهج الذي جاء به موسى، وبعد مدة عادوا إلى طبائعهم الفاسدة مرة أخرى، فكفروا بأنعم الله، وانحرفوا عن الطريق المستقيم فسلَّط الله عليهم ملكًا جبارًا اسمه جالوت فقتل رجالهم، وسبى نساءهم وأطفالهم، وأخرجهم من بيوتهم، وأخذ منهم التابوت المقدس وبه الألواح الخاصة بالتوراة، وعصا موسى وبعض الأشياء الخاصة بهارون.

وأراد بنو إسرائيل قتال جالوت وجنوده، ولم يكن لهم في هذه الفترة ملك يوحد صفوفهم لقتال هذا الملك الجبار، وكان من بينهم آنذاك نبي من أنبياء الله فذهبوا إليه وأخبروه أنهم يريدون ملكًا عليهم لمحاربة جالوت، فتعجب نبيهم من هذا الطلب، وذكرهم من أنه يخشى إن فرض عليهم القتال أن يرفضوا القتال، ولكنهم أكدوا له عزمهم على القتال، فقد طردوا من بيوتهم، وابتعدوا عن أبنائهم، فأوحى الله إلى نبيهم أن يخبرهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا، فلما أخبرهم بذلك تعجبوا، وغضبوا من هذا الاختيار، حيث كان الكثير منهم خاصة الأغنياء يطمع أن يكون هو الملك الذي يوحد الصفوف لقتال جالوت، وتكون له الهيمنة والسلطان، ويحظى بشرف الحكم والقيادة، ومن أجل ذلك اعترض الكثير منهم على اختيار طالوت ليتولى الـمُلك من بينهم..
فأخبرهم نبيهم أن هذا اختيار الله، وأنه -سبحانه- قد أعطى طالوت قوة في الجسم، وسعة في العلم، وأن علامة ملك طالوت أن تأتيه الملائكة بالتابوت الذي كان قد أخذه جالوت من قبل، وفي لحظات كانت الملائكة قد أتت بالصندوق ووضعته أمام طالوت، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك رضوا به، ووافقوا على حكمه لهم، ثم أوحى الله لنبي بني إسرائيل أن يخبرهم بأن الله يأمرهم بالخروج مع طالوت لقتال عدوهم الذي أذلهم، وأسر وسبى أبناءهم.
ولكنهم امتنعوا عن القتال إلا قليلاً منهم تشجعوا، واستعدوا للقتال، فساروا مع طالوت للقاء جالوت الجبار وجنوده، وبهذه القلة التى آمنت، خرج طالوت وسار في طريق صحراوى ليس فيه ماء، فاشتكى بنو إسرائيل من الظمأ والعطش فطمأنهم ملكهم طالوت وطلب منهم الصبر ومواصلة السير، وبعد لحظات اقترب طالوت وجنوده من نهر من الأنهار، فقال لهم طالوت مبينًا أنهم سيمرون على نهر فمن شرب منه بكثرة، فقد خرج عن طاعته إلا من اغترف غرفة بيده يروى بها ظمأه، ومن خالف هذا الأمر فعليه أن يترك الجيش ويرجع من حيث جاء، فلما وصل طالوت وبنو إسرائيل إلى النهر، لم يستجب أكثرهم لما أمرهم به الملك طالوت، فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم إلا قليلاً منهم.
فأمر طالوت كل من شرب من النهر حتى شبع أن يترك الجيش ويعتزل الباقين، ثم واصل سيره بالبقية الباقية من بني إسرائيل، وعبر النهر ليلتقي مع جيش جالوت وحتى هذه القلة التى ثبتت تراجع بعضهم وأصابهم الخوف عندما رأوا كثرة جنود جالوت، ولم يصبر معه إلا المؤمنون الصادقون الذين يعلمون أن الله ينصر المؤمنين بقوة إيمانهم لا بكثرة عددهم، ولما ظهر جالوت وجنوده أمامهم، واقترب منهم دعوا الله فقالوا: {ربنا افرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا علي الكافرين} [البقرة:250].
وفي الميدان المخصص للقتال وقف جالوت وجنوده في ناحية، وطالوت وبنو إسرائيل في ناحية أخرى، ثم تقدم جالوت على حصانه، مسلحًا بكافة الدروع ونادى بأعلى صوته، هل من مبارز؟ هل من مقاتل؟ وكان في جيش طالوت جندي عظيم، هو نبي الله داود، والذي يرجع نسبه إلى إبراهيم -عليه السلام- فخرج من بين الصفوف ليبارز جالوت الجبار بعد أن امتنع جميع بني إسرائيل عن الخروج إليه، فضرب داود جالوت بحجارة عن طريق مقلاعه، فوقع قتيلاً، ففر الجيش هاربًا، وانتصرت القلة المؤمنة بحول الله وقوته على الكثرة الكافرة المشركة.
وانتهت المعركة، وبدأ عهد نبي جديد وملك جديد، قال تعالى:

{فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} [البقرة:251].؟
وجمع الله لداود الملك والنبوة، فكان ملكًا نبيًّا، وأنزل عليه الزبور، وهو كتاب مقدس فيه كثير من المواعظ والحكم، قال تعالى: {وآتينا داود زبورًا} [النساء:163] وأعطى الله لداود صوتًا جميلاً لم يعطه لأحد من قبله، فكان إذا قرأ كتابه الزبور، وسبح الله، وقف الطير في الهواء يسبح الله معه، وينصت لما يقرؤه وكذلك الجبال فإنها كانت تسبح معه في الصباح والمساء، قال تعالى:
{إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب} [ص:18-19] وأيد الله داود بمعجزات كثيرة دالة على نبوته، فألان له الحديد، حتى يسهل عليه صنع الدروع والمحاريب التى تستخدم في الحروب والقتال.
وأراد الله -سبحانه- أن يعلم داود درسًا في العدل حين يحكم، فبينما كان يجلس في محرابه يصلى ويتعبد، فوجئ باثنين من الرجال يصعدان على سور محرابه حتى وصلا إليه، فدخلا عليه، فخاف منهما وفزع، فقال الرجلان: يا داود
لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فجئنا لتحكم بيننا بالحق، فسألهم داود عن قضيتهم، فقال أحد الخصمين: إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فأراد أن يأخذها مني ليكمل المائة، فتسرع داود في الحكم لهذه القضية قبل أن يسمع كلام الآخر، فقال: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلي نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات} _[ص: 42]

وما إن أكمل داود حكمه حتى اختفي هذان الرجلان فجأة دون أن يخرجا من الباب أو يعودا كما جاءا، فأدرك داود أن هذين ملكان أرسلهما الله ليعلماه أن يسمع من الخصمين قبل أن يحكم بينهما، فاستغفر داود ربه.
وكان داود يتقرب إلى الله بالذكر والدعاء والصلاة، لذلك مدحه الله بقوله تعالى: {واذكر عبدنا داود ذي الأيدِ إنه أواب } [ص:17] وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول عنه: (كان أعبد البشر) [البخارى] وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) [متفق عليه].
وكان داود لا يأكل إلا من عمل يده، لأنه يعلم أن أفضل الكسب هو ما يكسبه الإنسان من صنع يده، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده) [البخارى] وقد مات داود -عليه الصلاة والسلام- وتولى من بعده ابنه سليمان -عليه السلام- الحكم وجعله الله نبيًّا،

قال تعالى: {وورث سليمان داود} [النمل:16].

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة رومانسية قصيره

💌 "رسالة من الماضي" 💌 --- في إحدى المدن الساحلية الهادئة، عاشت نور، فتاة تحب قراءة الكتب القديمة وتعمل في مكتبة تراثية. كانت تحب العزلة، وقلّما تسمح لأحد بالاقتراب من عالمها الهادئ. كانت دائمًا تقول: > "الرومانسية انتهت مع الزمن الجميل… الآن لا أحد يحب بصدق." ذات مساء، بينما كانت تنظف قبو المكتبة، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا عليه غبار السنين. فتحته بفضول، فوجدت مجموعة من الرسائل القديمة، مكتوبة بخط يد أنيق وموجهة إلى فتاة تُدعى "ليلى". أخذت تقرأ أول رسالة، فشعرت وكأنها تعيش داخل قصة حب حقيقية. الكلمات كانت صادقة، دافئة، مملوءة بالشوق. ووقّعها شخص اسمه آدم. في كل ليلة كانت تقرأ رسالة جديدة، وتتعلق أكثر فأكثر بـ"آدم"، وكأنها تعرفه. بدأت تشعر أن هذا الرجل، رغم أنه من الماضي، يفهمها كما لم يفعل أحد. وذات مرة، وجدت في آخر رسالة سطرًا مختلفًا: > "سأكون على الرصيف المقابل للمكتبة يوم 1 سبتمبر، تمامًا في الخامسة مساءً… وإن لم تأتي، سأفهم أنك اخترت النسيان." تجمدت نور. كان التاريخ المكتوب هو 1 سبتمبر 1975. ضحكت في البداية. لكن الفضول تغلب...

قصة الحكيم والملك

تدور أحداث قصة الحكيم والملك حول ملك من الملوك العظماء كان يحكُم مدينة كبيرة، ولكنَّه كان يتَّصف بالتكبُّر والغرور، كما أنَّه كان يتعالى على الناس، وفي أحد الأيام جمع الناس حوله وخطب في الجمع خطبة يفتخر فيها بنفسه كثيرًا، وأشار فيها إلى أنَّه سيّد هذه المدينة وسيّد العالم كله، وأنَّ جميع المخلوقات خدم له، فصفَّق الحشد المتجمع حوله وصاروا يهللون له، لكنَّ رجلًا واحدًا قام وصاح بصوت عالٍ ردًّا على الملك وقال له: كلّا يا جلالة الملك، كلامك غير صحيح، فالناس جميعهم بعضهم يخدم بعضًا، غضب الملك كثيرًا من هذا الرد، فلم يكن معتادًا على أن يخالف كلامه أحد، أو أن يعترض على ما يقوله أي شخص، واتَّهم صاحب الصوت بالخيانة والتمرُّد عليه. كان ذلك الرجل الذي اعترض على الملك عجوز حكيم، يتَّصف جسمه بأنَّه نحيل وله لحية بيضاء تنمُّ عن وقاره وهيبته، فبرزَ من بين الجمع وأكَّد للملك كلامه ثمَّ قال له: أيها الملك إنَّني رجل من عامة الناس، وفي القرية التي نسكنها لا يوجد بئر ماء، وأطلب من جلالتك أن تحفر لنا بئرًا حتى يتمكن الناس في قريتي من الحصول على الماء ويشربوا منه ويسقوا حيواناتهم وزرعهم، اشتدَّ غضبُ الملك...

قصة الجمل الاعرج

تدور احداث هذه القصة في احدى الغابات البعيدة و الشاسعة حيث كان هناك قطيع من الجمال يعيشون على اطراف الغابة ، وكانت هناك عادة بين هذه الجمال وهي اقامة سباق كل عام بين الجمال الكبيرة والفائز له جائزة كبيرة ، وكان هناك جمل صغير يحب كثيرا هذا السباق ويحضره كل عام وكان هذا الجمل الصغير يريد ان يكبر بسرعة حتى يتمكن من المشاركة في هذه المنافسة و لما لا الفوز بها ، فالجمل الصغير يرى انه يتمتع بمقومات الجمل السريع و القوي. ذات ليلة تفاجئ قطيع الجمال بهجوم من مجموعة من الصيادين ، واخذت الجمال تهرب يمينا ويسارا محاولة الهرب من الصيادين وتم في هذا اليوم اصطياد جزء كبير من القطيع ، وبينما كان الجمل الصغير يركض باقصى سرعته محاولا الهرب من الصيادين اصطدم بقطعة من الحجر وسقط على الارض وتعرضت ساقه لاذى كبير وجينها لم يتمكن من الحركة ولكن الله اراد الا يكون من ضمن الجمال التي تم اصطيادها في تلك الليلة الحزينة ، وتمكن حينها الجمل من النجاة. تحول الجمل من جمل نشيط يحب الركض الى جمل اعرج لا يقوى على السير بصورة صحيحة ، وبدأ الجميع في القطيع يستهزأ به وبحلمه الذي كان يريد تحقيقه ، لم يتمكن الجمل من اخفاء ...